فصل: تفسير الآيات رقم (17- 19)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 15‏]‏

‏{‏يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ‏(‏14‏)‏ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏15‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ينادونهم‏}‏ معناه‏:‏ ينادي المنافقون المؤمنين‏:‏ ‏{‏أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ‏}‏‏:‏ في الدنيا، فيردّ المؤمنون عليهم‏:‏ ‏{‏بلى‏}‏‏:‏ كنتم معنا، ولكن عَرَّضْتُمْ أنفسكم للفتنة، وهي حُبُّ العاجل والقتال عليه، قال مجاهد‏:‏ فتنتم أنفسكم بالنفاق ‏{‏وَتَرَبَّصْتُمْ‏}‏ معناه هنا‏:‏ بإيمانكم فأبطأتم به، حَتَّى مُتُّم، وقال قتادة‏:‏ معناه‏:‏ تربصتم بِنَا وبمحمد صلى الله عليه وسلم الدوائرَ، وشككتم، والارتياب‏:‏ التشكك، والأماني التي غرتهم هي قولهم‏:‏ سَيَهْلَكُ محمد هذا العام، سَتَهْزِمُهُ قريش، ستأخذه الأحزاب‏.‏‏.‏‏.‏ إلى غير ذلك من أمانيهم، وطول الأمل‏:‏ غرار لكل أحد، وأمر اللَّه الذي جاء هو‏:‏ الفتح وظهور الإسلام، وقيل‏:‏ هو موتهم على النفاق المُوجِبِ للعذاب، و‏{‏الغرور‏}‏‏:‏ الشيطان بإجماع المتأولين، وينبغي لكل مؤمن أَنْ يعتبر هذه الآيةَ في نفسه، وتسويفَه في توبته، واعلم أيها الأخ أَنَّ الدنيا غَرَّارة للمقبلين عليها، فإنْ أردت الخلاص والفوز بالنجاة، فازهدْ فيها، وأقبلْ على ما يعنيك من إصلاح دينك والتزود لآخرتك، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» عن أبي الدرداء أَنَّهُ قال يعني لأصحابه‏:‏ لَئِنْ حَلَفْتُم لي على رجل منكم أَنَّه أزهدكم، لأحلفنَّ لكم أنَّه خيركم، وروى ابن المبارك بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال‏:‏ ‏"‏ يَبْعَثُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ كَانَا عَلَى سِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَحَدُهُمَا مَقْتُورٌ عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مَوَسَّعٌ عَلَيْهِ ‏[‏فَيُقْبِلُ المَقْتُورُ عَلَيْهِ‏]‏ إلَى الجَنَّةِ، وَلاَ يَنْثَنِي عَنْهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَبْوَابِهَا، فَيَقُولُ حَجَبَتُهَا‏:‏ إلَيْكَ إلَيْكَ‏!‏ فَيَقُولُ‏:‏ إذَنْ لاَ أَرْجِعَ، قال‏:‏ وَسَيْفُهُ في عُنُقِهِ فَيَقُولُ‏:‏ أُعْطِيتُ هذا السَّيْفَ في الدُّنْيَا أُجَاهِدُ بِهِ، فَلَمْ أَزَلْ مُجَاهِداً بِهِ حتى قُبِضْتُ وَأَنَا على ذَلِكَ، فَيَرْمِي بِسَيْفِهِ إلَى الخَزَنَةِ، وَيَنْطَلِقُ، لاَ يُثْنُونَهُ وَلاَ يَحْبِسُونَهُ عَنِ الجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا، فَيَمْكُثُ فِيهَا دَهْراً، ثُمَّ يَمُرُّ بِهِ أَخُوهُ المُوَسَّعُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ‏:‏ يَا فُلاَنُ، مَا حَبَسَكَ‏؟‏‏!‏ فَيَقُولُ‏:‏ مَا خُلِّيَ سَبِيلِي إلاَّ الآن، وَلَقَدْ حُبِسْتُ مَا لَوْ أَنَّ ثَلاَثَمِائَةِ بِعِيرٍ أَكَلَتْ خَمْطاً، لاَ يَرِدْنَ إلاَّ خِمْساً وَرَدْنَ على عِرْقِي لَصَدَرْنَ مِنْهُ رِيًّا ‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ استمرارٌ في مخاطبة المنافقين؛ قاله قتادة وغيره‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هِىَ مولاكم‏}‏ قال المفسرون‏:‏ معناه‏:‏ هي أولى بكم، وهذا تفسير بالمعنى، وإنَّما هي استعارة؛ لأَنَّها من حيثُ تَضُمُّهم وتباشِرُهم هي تواليهم وتكون لهم مكانَ المولى، وهذا نحو قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْنِ‏}‏‏:‏ ابتداء معنى مستأنف، ومعنى ‏{‏أَلَمْ يَأْنِ‏}‏‏:‏ ألم يَحِنْ؛ يقال‏:‏ أنى الشَّيْءُ يأني إذَا حَانَ، وفي الآية معنى الحَضِّ والتقريع، قال ابن عباس‏:‏ عُوتِبَ المؤمنون بهذه الآية، وهذه الآية كانت سَبَبَ توبة الفُضَيْلِ وابن المبارك، والخشوع‏:‏ الإخبات والتضامن وهي هيئة تظهر في الجوارحَ متى كانت في القلب؛ ولذلك خَصَّ تعالى القلبَ بالذكر، وروى شداد بن أَوس عنِ النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال‏:‏ «أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ»‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِذِكْرِ الله‏}‏ أي‏:‏ لأجل ذكر اللَّه تعالى ووحيه، أو لأجل تذكير اللَّه إيَّاهم وأوامره فيهم، والإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏أُوتُواْ الكتاب‏}‏ إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى عليه السلام ولذلك قال‏:‏ ‏{‏مِن قَبْلُ‏}‏ وَإنَّما شَبَّه أهل عصر نبيٍّ ‏[‏بأهل عصر نبيٍّ‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد‏}‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ أَمد الحياة، وقيل‏:‏ أمد انتظار القيامة، قال الفخر‏:‏ وقال مقاتل بن حيان‏:‏ الأمد هنا‏:‏ الأمل، أي‏:‏ لما طالت آمالُهم، لا جَرَمَ قَسَتْ قلوبهم، انتهى، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 19‏]‏

‏{‏اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏17‏)‏ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ‏(‏18‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏(‏19‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اعلموا أَنَّ الله يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، مخاطبة لهؤلاء المؤمنين الذين نُدِبُوا إلى الخشوع، وهذا ضرب مَثَلٍ، واستدعاء إلى الخير برفق وتقريب بليغ، أي‏:‏ لا يبعد عندكم أَيُّها التاركون للخشوع رُجُوعُكُمْ إليه وتلبسكم به، فإنَّ اللَّه يحيي الأرضَ بعد موتها، فكذلك يفعل بالقلوب، يرُدُّهَا إلى الخشوع بعد بُعْدِهَا عنه، وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابةُ والتَّكَسُّبُ من العبد بعد نفورها منه، كما يحيي الأرضَ بعد أَنْ كانت ميتة، وباقي الآية بين، و‏{‏المصدقين‏}‏‏:‏ يعني به المتصدقين، وباقي الآية بين‏.‏

* ت *‏:‏ وقد جاءت آثار صحيحة في الحَضِّ على الصدقة، قد ذكرنا منها جملة في هذا المختصر، وأسند مالك في «الموطأ» عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ يَا نِسَاءَ المُؤْمِنَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً ‏"‏ وفي «الموطأ» عنه صلى الله عليه وسلم ‏"‏ رُدُّواْ السَّائِلَ وَلَوْ بِظَلِفٍ مُحْْرَّقٍ ‏"‏ قال ابن عبد البر في «التمهيد»‏:‏ ففي هذا الحديث الحَضُّ على الصدقة بكل ما أمكن من قليل الأشياء وكثيرها، وفي قول اللَّه عز وجل‏:‏ ‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 7‏]‏ أوضح الدلائل في هذا الباب، وتصدقت عائشةُ رضي اللَّه عنها بحبتين من عنب، فنظر إليها بَعْضُ أهل بيتها فقالت‏:‏ لا تَعْجَبْنَ؛ فكم فيها من مثقال ذرة، ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ‏"‏ وإِذا كان اللَّه عز وجل يُرْبي الصدقاتِ، ويأخذ الصدقةَ بيمينه فَيُرَبِّيَهَا، كما يُرَبِّي أَحَدُنَا فَلَوَّه أَوْ فَصِيلَهُ فما بالُ مَنْ عَرَفَ هذا يَغْفُلُ عنه‏!‏ وما التوفيق إلاَّ باللَّه، انتهى من «التمهيد»، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال‏:‏ أخبرنا حرملة بن عمران أَنَّهُ سَمِعَ يزيد بن أبى حَبِيبٍ يحدِّثُ أَنَّ أبا الخير حدثه‏:‏ أَنَّه سمع عقبة بن عامر يقول‏:‏ سَمِعْتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ كُلُّ امْرِئ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَل بَيْنَ النَّاسِ ‏"‏ قال يزيد‏:‏ فكان أبو الخير لا يخطئه يومٌ إلاَّ تصدق فيه بشيء، ولو كَعْكَةً أو بَصَلَةً أو كذا، انتهى، و‏{‏الصديقون‏}‏‏:‏ بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق؛ على ما ذكر الزَّجَّاج‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشهداء عِندَ رَبِّهِمْ‏}‏‏:‏ اخْتُلِفَ في تأويله فقال ابن مسعود وجماعة‏:‏ ‏{‏والشهداء‏}‏‏:‏ معطوف على‏:‏ ‏{‏الصديقون‏}‏ والكلامُ متَّصل، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاتصال، فقال بعضها‏:‏ وَصَفَ اللَّه المؤمنين بأَنَّهم صديقون وشهداء، فَكُلُّ مؤمن شهيد؛ قاله مجاهد، وروى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَدَاءُ»، وَتَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآية وإنَّما خَصَّ صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء السبعة تشريفاً لهم؛ لأَنَّهُم في أعلى رتب الشهادة؛ أَلاَ ترى أَنَّ المقتولَ في سبيل اللَّه مخصوصٌ أيضاً من السبعة بتشريف ينفرد به، وقال بعضها‏:‏ ‏{‏الشهداء‏}‏ هنا‏:‏ من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، فكأَنَّه قال‏:‏ هم أهل الصدق والشهداءُ على الأمم، وقال ابن عباس، ومسروق، والضحاك‏:‏ الكلام تامٌّ في قوله‏:‏ ‏{‏الصديقون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏والشهداء‏}‏‏:‏ ابتداءٌ مستأنف، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاستئناف، فقال بعضها‏:‏ معنى الآية‏:‏ والشهداءُ بأنَّهم صديقون حاضرون عند ربهم، وعَنَى بالشهداء الأنبياء عليهم السلام‏.‏

*ت*‏:‏ وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية، وقال بعضها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏والشهداء‏}‏ ابتداء يريد به الشهداءَ في سبيل اللَّه، واستأنف الخبر عنهم بأَنَّهم‏:‏ ‏{‏عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ‏}‏ فكأَنَّه جعلهم صِنْفاً مذكوراً وحده‏.‏

* ت *‏:‏ وأبينُ هذه الأقوال الأوَّلُ، وهذا الأخيرُ، وإنْ صَحَّ حديث البَرَاءِ لم يُعْدَلْ عنه، قال أبو حيان‏:‏ والظاهر أَنَّ ‏{‏الشهداء‏}‏ مبتدأ خبره ما بعده، انتهى‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏وَنُورُهُمْ‏}‏ قال الجمهور‏:‏ هو حقيقة حسبما تقدم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ‏(‏20‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ‏}‏ هذه الآيةُ وعظ، وتبيين لأمر الدنيا وَضَعَةِ منزلتها، والحياة الدنيا في هذه الآية‏:‏ عبارة عن الأشغال والتصرفاتِ والفكرِ التي هي مختصة بالحياة الدنيا، وأَمَّا ما كان من ذلك في طاعة اللَّه تعالى، وما كان في الضرورات التي تقيم الأود وتعينُ على الطاعات فلا مدخلَ له في هذه الآية، وتأملْ حالَ الملوك بعد فقرهم، يَبِنْ لك أَنَّ جميعَ ترفهم لَعِبٌ ولهو، والزينة‏:‏ التحسين الذي هو خارج عن ذات الشيء، والتفاخرُ بالأموال والأنساب وغيرُ ذلك على عادة الجاهلية، ثم ضرب اللَّه عز وجل مَثَلَ الدنيا، فقال‏:‏ ‏{‏كَمَثَلِ غَيْثٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وصورة هذا المثالِ أَنَّ الإنسانَ ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك، فيشُبُّ في النعمة، ويقوى، ويكسب المال والولد، ويغشاه الناسُ، ثم يأخذُ بعد ذلك في انحطاطٍ، ويشيب، ويضعف ويسقم، وتصيبه النوائب في ماله وذريته، ويموتُ، ويضمحلُّ أَمرهُ، وتصيرُ أمواله لغيره، وتتغير رُسُومُه؛ فأمره مِثْلُ مطر أصاب أرضاً، فنبت عن ذلك الغيثِ نباتٌ معجب أنيق، ثم هاج، أي‏:‏ يبس، واصْفَرَّ، ثم تحطم، ثم تفرق بالرياح واضمحل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَعْجَبَ الكفار‏}‏ أي‏:‏ الزراع؛ فهو من كَفَرَ الحَبَّ، أي‏:‏ ستره، وقيل‏:‏ يحتمل أَنْ يعني الكفار باللَّه، لأَنَّهم أَشَدُّ إعجاباً بزينة الدنيا، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَفِى الأخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ كأنَّه قال‏:‏ والحقيقة هاهنا، وذكر العذابَ أَوَّلاً؛ تَهَمُّمَاً به من حيث الحذر في الإنسان، ينبغي أَنْ يكونَ أولاً، فإذا تحرز من المخاوف مَدَّ حينئذ أمله، فذكر تعالى ما يحذر قبل ما يطمع فيه، وهو المغفرة والرضوان، وعبارة الثعلبيِّ‏:‏ ‏{‏ثُمَّ يَهِيجُ‏}‏ أي‏:‏ يجفُّ ‏{‏وَفِى الأخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ‏}‏‏:‏ لأعداء اللَّه ‏{‏وَمَغْفِرَةٌ‏}‏‏:‏ لأوليائه، وقال الفَرَّاءُ ‏{‏وَفِى الأخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ إمَّا عذاب شديد، وإمَّا مغفرة ‏{‏وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور‏}‏‏:‏ هذا تزهيد في العمل للدنيا، وترغيبٌ في العمل للآخرة، انتهى، وهو حسن، وعن طارق قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ نِعْمَتِ الدَّارُ الدُّنْيَا لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا لآِخِرَتِهِ، وَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ صَدَّتْهُ عَنْ آخِرَتِهِ، وَقَصَّرَتْ بِهِ عَنْ رِضَا رَبِّهِ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ‏:‏ قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيا قَالَتِ الدُّنْيَا‏:‏ قَبَّحَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِرَبِّهِ ‏"‏ رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح»، ولا يشك عاقل أَنَّ حُطَامَ الدنيا مُشْغِلٌ عنِ التأهب للآخرة؛ قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم»‏:‏ وقد رُوِيَ مرفوعاً‏:‏ ‏"‏ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ ‏"‏ قال أبو عمر‏:‏ ثم نقول‏:‏ إنَّ الزهد في الحلال، وترك الدنيا مع القدرة عليها أفضلُ من الرغبة فيها في حلالها، وهذا ما لا خلافَ فيه بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً، والآثار الواردة عنِ الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم من علماء المسلمين في فضل الصبر والزهد فيها، وفَضْل القناعة، والرضا بالكفاف، والاقتصارِ على ما يكفي دون التكاثر الذي يُلْهِي ويُطْغِي‏:‏ أكثر من أَنْ يحيط بها كتاب، أو يشمل عليها باب، والَّذِينَ زوى اللَّه عنهم الدنيا من الصحابة، أكثرُ من الذين فتحها عليهم أضعافاً مضاعفةً، وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أَنَّهُ لما حضرته الوفاةُ بَكَى بُكَاءً شديداً، وقال‏:‏ كان مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ خيراً مِنِّي؛ تُوُفِّيَ وَلَمْ يَتْرُكْ ما يُكَفَّنُ فيه، وَبَقِيتُ بعده حتى أَصَبْتُ من الدنيا وأصابت مِنِّي، ولا أحسبني إلاَّ سَأُحْبَسُ عن أصحابي بما فتح اللَّهُ عليَّ من ذلك، وجعل يبكي حتى فاضتْ نفسه، وفارق الدنيا رحمة اللَّه عليه، فإنْ ظَنَّ ظانٌّ جاهل أَنَّ الاستكثار من الدنيا ليس به بأس، أو غلب عليه الجهل؛ فَظَنَّ أَنَّ ذلك أفضل من طلب الكفاف منها، وشُبِّهَ عليه بقول اللَّه تعالى‏:‏

‏{‏وَوَجَدَكَ عَائِلاً فأغنى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 8‏]‏ فيما عَدَّده سبحانه على نبيِّه صلى الله عليه وسلم من نعمه عنده فَإنَّ ذلك ليس كما ظَنَّ؛ بل ذلك غنى القلب، دَلَّتْ على ذلك الآثارُ الكثيرة؛ كقوله عليه السلام‏:‏ «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَإنَّما الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 23‏]‏

‏{‏سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏21‏)‏ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ‏(‏22‏)‏ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ‏(‏23‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى المسارعة إليها والمسابقة، وهذه الآية حُجَّةٌ عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات، وقدِ استدلَّ بها بعضُهم على أَنَّ أَوَّلَ أوقات الصلوات أَفضلُ؛ لأَنَّهُ يقتضي المسارعةَ والمسابقةَ، وذكر سبحانه العَرْضَ من الجنة؛ إذِ المعهودُ أَنَّهُ أَقَلُّ من الطول، وقد ورد في الحديث‏:‏ ‏"‏ أَنَّ سَقْفَ الجَنَّةِ الْعَرْشُ ‏"‏ وورد في الحديث‏:‏ ‏"‏ أَنَّ السموات السَّبْعَ في الكُرْسِيِّ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ، وَأَنَّ الْكُرْسِيَّ في الْعَرْشِ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ ‏"‏‏.‏ * ت *‏:‏ أيها الأخ، أَمَرَكَ المولى سبحانه بالمسابقة والمسارعة؛ رحمةً منه وفضلاً، فلا تغفلْ عن امتثال أمره وإجابة دعوته‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلاً وَفِعْلاً *** حَذَرَ النَّفْسِ حَسْرَةَ الْمَسْبُوقِ

ذكر صاحبُ «معالم الإيمان، وروضات الرضوان» في مناقب صلحاء القيروان، قال‏:‏ ومنهم أبو خالد عبد الخالق المتعبد، كان كثيرَ الخوف والحزن، وبالخوف مات؛ رأى يوماً خَيْلاً يسابق بها، فتقدمها فرسان، ثم تقدم أَحَدُهُمَا على الآخر، ثم جَدَّ التالي حتى سَبَقَ الأول، فتخلَّلَ عبد الخالق الناسَ حَتَّى وصلَ إلى الفرس السابق، فجعل يُقَبِّلُهُ ويقول‏:‏ بارك اللَّه فيك، صَبَرْتَ فظفرت، ثم سقط مغشيًّا عليه، انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن زيد وغيره‏:‏ المعنى‏:‏ ما حدث من حادث، خيرٍ وشَرٍّ، فهذا على معنى لفظ أصاب، لا على عُرْفِ المصيبة؛ فإنَّ عُرْفَهَا في الشر، وقال ابن عباس ما معناه‏:‏ أَنَّه أراد عرف المصيبة، فقوله‏:‏ ‏{‏فِى الأرض‏}‏ يعني‏:‏ بالقحوط، والزلازل، وغير ذلك و‏{‏فِى أَنفُسِكُمْ‏}‏‏:‏ بالموت، والأمراض، وغير ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ فِى كتاب‏}‏ معناه‏:‏ إلاَّ والمصيبة في كتاب و‏{‏نَّبْرَأَهَا‏}‏ معناه‏:‏ نخلقها؛ يقال‏:‏ برأ اللَّهُ الخلق، أي‏:‏ خلقهم، والضميرُ عائد على المصيبة، وقيل‏:‏ على الأرض، وقيل‏:‏ على الأنفس؛ قاله ابن عباس وجماعة، وذكر المهدويُّ جوازَ عود الضمير على جميع ما ذُكِر، وهي كُلُّها معانٍ صِحَاحٌ‏.‏

‏{‏إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ‏}‏‏:‏ يريد تحصيلَ الأشياءِ كلها في كتاب، وقال الثعلبي‏:‏ وقيل المعنى‏:‏ إنَّ خَلْقَ ذلك وحِفْظَ جميعه، على اللَّه يسير، انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ‏}‏ معناه‏:‏ فَعَلَ اللَّهُ هذا كُلَّه، وأَعلمكم به؛ ليكونَ سَبَبَ تسليتكم وقِلَّةَ اكتراثكم بأمور الدنيا، فلا تحزنوا على فائت، ولا تفرحوا الفَرَحَ المبطر بما آتاكم منها، قال ابن عباس‏:‏ ليس أحد إلاَّ يحزنُ أو يفرحُ، ولكن مَنْ أصابته مصيبةٌ فليجعلها صبراً، ومَنْ أصابه خير فليجعله شكراً؛ وفي«صحيح مسلم» عن أبي سعيد وأبي هريرةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبٍ، وَلاَ سَقَمٍ وَلاَ حَزَنٍ، حَتَّى الهَمِّ يَهُمُّهُ إلاَّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ‏"‏

، وفي «صحيح مسلم» عن عائِشَةَ قالت‏:‏ سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خِطِيئَةٌ ‏"‏، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرةَ قال‏:‏ لَمَّا نَزَلَتْ‏:‏ ‏{‏مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 123‏]‏ بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغاً شَدِيداً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا وَالشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ‏"‏، انتهى، وقد تقدم كثير في هذا المختصر من هذا المعنى، فاللَّه المسؤول أَنْ ينفع به كُلَّ مَنْ حَصَّله أو نظر فيه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ‏}‏‏:‏ يدلُّ على أَنَّ الفرحَ المنهيَّ عنه إنَّما هو ما أَدَّى إلى الاختيال والفخر، وأَمَّا الفَرَحُ بنعم اللَّه المقترن بالشكر والتواضع، فَإنَّه لا يستطيع أَحَدٌ دَفْعَهُ عن نفسه، ولا حرجَ فيه، واللَّه أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 27‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ‏(‏24‏)‏ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ‏(‏25‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏26‏)‏ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الذين يَبْخَلُونَ‏}‏ قال بعضهم‏:‏ هو خبر مبتدإ محذوف تقديره‏:‏ هم الذين يبخلون، وقال بعضهم‏:‏ هو في موضع نصب؛ صِفَةً ل ‏{‏كُلٌّ‏}‏، وإنْ كان نكرةً فهو يُخَصَّصُ نوعاً ما؛ فيسوغُ لذلك وصفه بالمعرفة، وهذا مذهبُ الأخفش، و‏{‏الكتاب‏}‏ هنا‏:‏ اسم جنس لجميع الكتب المُنَزَّلَةِ، ‏{‏والميزان‏}‏‏:‏ العدل في تأويل الأكثرين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنزْلْنَا الحديد‏}‏ عَبَّرَ سبحانه عن خلقه الحديدَ بالإنزال؛ كما قال‏:‏ ‏{‏وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 6‏]‏ الآية، قال جمهورٌ من المفسرين‏:‏ الحديد هنا أراد به جِنْسَهُ من المعادن وغيرها، وقال حُذَّاقٌ من المفسرين‏:‏ أراد به السلاح، ويترتب معنى الآية بأَنَّ اللَّه أخبر أَنَّهُ أرسل رُسُلاً، وأنزل كتباً، وعدلاً مشروعاً، وسلاحاً يُحَارَبُ به مَنْ عاند، ولم يقبل هدى اللَّه؛ إذْ لم يبقَ له عذر، وفي الآية على هذا التأويل حَضٌّ على القتال في سبيل اللَّه وترغيبٌ فيه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ‏}‏ يقوِّي هذا التأويل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بالغيب‏}‏ معناه‏:‏ بما سمع من الأَوصاف الغائبة عنه فآمن بها، وباقي الآية بين‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ و‏{‏قَفَّيْنَا‏}‏ معناه‏:‏ جئنا بهم بعد الأولِينَ، وهو مأخوذ من القفا، أي‏:‏ جيء بالثاني في قَفَا الأَوَّلِ، فيجيء الأول بين يدي الثاني، وقد تقدم بيانه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً‏}‏‏:‏ الجعل في هذه الآية بمعنى الخلق‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ابتدعوها‏}‏‏:‏ صفة لرهبانية، وخَصَّها بِأَنَّها ابْتُدِعَتْ؛ لأََنَّ الرأفة والرحمةَ في القلب، لا تَكَسُّبَ للإنسان فيها، وَأَمَّا الرهبانيةُ فهي أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضعٌ لِلتَّكَسُّبِ، ونحو هذا عن قتادة، والمراد بالرأفة والرحمة حُبُّ بعضهم في بعض وتوادُّهُم، والمراد بالرهبانية‏:‏ رَفْضُ النساء، واتخاذ الصوامع والديارات، والتفردُ للعبادات، وهذا هو ابتداعهم، ولم يَفْرِضِ اللَّه ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك؛ ابتغاءَ رضوان اللَّه؛ هذا تأويل جماعة، وقرأ ابن مسعود‏:‏ «مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ لَكِنِ ابتدعوها» وقال مجاهد‏:‏ المعنى‏:‏ كتبناها عليهم ابتغاءَ رضوان اللَّه، فالاستثناء على هذا مُتَّصِلٌ، واخْتُلِفَ في الضمير الذي في قوله‏:‏ ‏{‏فَمَا رَعَوْهَا‏}‏ مَنِ المراد به‏؟‏ فقال ابن زيد وغيره‏:‏ هو عائد على الذين ابتدعوا الرهبانِيَّة، وفي هذا التأويل لزومُ الإتمام لِكُلِّ مَنْ بدأ بتطوُّعٍ ونَفْلٍ، وأَنَّهُ يلزمُه أَنْ يرعاه حَقَّ رعيه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره‏:‏ الضمير للأخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين لها، ورُوِّينَا في «كتاب الترمذيِّ» عن كثير بن عبد اللَّه المُزَنِيِّ، عن أبيه، عن جدِّه‏:‏ ‏"‏ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لبِلال بن الحارث‏:‏ اعْلَمْ، قَالَ‏:‏ مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ اعْلَمْ يَا بِلاَلُ‏!‏ قَالَ‏:‏ مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ أَنَّهُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنِ ابتدع بِدْعَةَ ضَلاَلَةٍ، لاَ يَرْضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئاً ‏"‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 29‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏28‏)‏ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏29‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ‏}‏ قالت فرقة‏:‏ الخطاب بهذه الآية لأهل الكتاب، ويؤيده الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏ ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ‏:‏ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بي ‏"‏ الحديث، وقال آخرون‏:‏ الخطاب للمؤمنين من هذه الأمة، ومعنى ‏{‏وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ‏}‏ أي‏:‏ اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، ‏{‏يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل يعطونه، قال أبو موسى‏:‏ ‏{‏كِفْلَيْنِ‏}‏‏:‏ ضعفين بلسان الحبشة، والنور هنا‏:‏ إمَّا أَنْ يكونَ وعداً بالنور الذي يسعى بين الأيدي يومَ القيامة، وإمَّا أَنْ يكون استعارة للهُدَى الذي يمشي به في طاعة اللَّه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَئ مِّن فَضْلِ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ رُوِيَ أَنَّه لما نزل هذا الوعدُ المتقدم للمؤمنين، حسدهم أهلُ الكتاب على ذلك، وكانتِ اليهودُ تُعَظِّمُ دِينَهَا وأَنْفُسَهَا، وتزعم أَنَّهم أحِبَّاءُ اللَّه وأهلُ رضوانه، فنزلت هذه الآية مُعْلِمَةً أَنَّ اللَّه فعل ذلك، وأعلم به؛ ليعلمَ أَهل الكتابِ أَنَّهم ليسوا كما يزعمون، و«لا» في قوله‏:‏ ‏{‏لِّئَلاَّ‏}‏ زائدة، وقرأ ابن عباس والجَحْدَرِيُّ‏:‏ «لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ»، وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس‏:‏ «كَيْ يَعْلَمَ» وروي عن حِطَّانَ الرُّقَاشِيِّ أنه قرأ‏:‏ «لأَنْ يَعْلَمَ»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلاَّ يَقْدِرُونَ‏}‏ معناه‏:‏ أَنَّهم لا يملكون فضلَ اللَّه، ولا يدخل تحت قُدَرهم، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

سورة المجادلة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏3‏)‏ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اختلف الناس في اسم هذه المرأة على أقوال، واختصار ما رواه ابن عباس والجمهور ‏"‏ أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيَّ، أخا عبادة بن الصامت، ظَاهَرَ من امرأته خَوْلَةَ بنت خُوَيْلِدٍ، وكان الظهارُ في الجاهلية يُوجِبُ عندهم فُرْقَةً مُؤَبَّدَةً، فلما فعل ذلك أَوسٌ جَاءَتْ زَوْجَتُهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَوساً أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَمَاتَ أَهْلِي، ظَاهَر مِنِّي‏!‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ مَا أَرَاكِ إلاَّ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَفْعَلْ؛ فَإنِّي وَحِيدَةٌ لَيْسَ لِي أَهْلٌ سِوَاهُ، فَرَاجَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ مَقَالَتِهِ فَرَاجَعَتْهُ، فَهَذَا هُوَ جِدَالُهَا، وَكَانَتْ في خِلاَلِ جِدَالِهَا تَقُولُ‏:‏ اللَّهُمَّ إَلَيْكَ أَشْكُو حَالِي وانفرادي وَفَقْرِي إلَيْهِ ‏"‏، وَرُوِيَ أَنَّها كَانَتْ تَقُولُ‏:‏ ‏"‏ اللَّهُمَّ، إنَّ لي مِنْهُ صِبْيَةً صِغَاراً، إنْ ضَمَمْتُهُمْ إلَيْهِ ضَاعُوا، وَإنْ ضَمَمْتُهُمْ إليَّ جَاعُوا، فَهَذَا هُوَ اشتكاؤها إلَى اللَّهِ، فَنَزَلَتِ الآيةُ‏:‏ فَبَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في أَوْسٍ، وأَمَرَهُ بِالتَّكْفِيرِ، فَكَفَّرَ بِالإطْعَامِ، وَأَمْسَكَ أَهْلَهُ ‏"‏ قال ابن العربي في «أحكامه»‏:‏ والأشبه في اسم هذه المرأة أَنَّها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، امرأةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وعلى هذا اعتمد الفخر؛ قال الفخر‏:‏ هذه الواقعة تَدُلُّ على أَنَّ مَنِ انقطع رجاؤه من الخلق، ولم يبق له في مُهِمِّة أحدٌ إلاَّ الخالق كفاه اللَّهُ ذلك المهم، انتهى، والمحاورة‏:‏ مراجعةُ القولِ ومعاطاته، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «تُحَاوِرُكَ في زَوْجِهَا» والظِّهَارُ‏:‏ قولُ الرجلِ لامرأته‏:‏ أنتِ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يريد في التحريم؛ كَأَنَّها إشارة إلى الركوبِ، إذ عُرْفُهُ في ظهور الحيوان، وكان أهلُ الجاهلية يفعلون ذلك، فَرَدَّ اللَّه بهذه الآية على فعلهم، وأخبر بالحقيقة من أَنَّ الأُمَّ هي الوالدة، وأَمَّا الزوجةُ فلا يكونُ حكمُهَا حُكْمَ الأُمِّ، وجعل اللَّه سبحانه القول بالظهار مُنْكَراً وزوراً، فهو مُحَرَّمٌ، لَكِنَّهُ إذَا وقع لزم؛ هكذا قال فيه أهل العلم، لكنَّ تحريمه تحريمُ المكروهات جدًّا، وقد رَجَّى اللَّه تعالى بعده بأَنَّهُ عَفُوٌّ غفور مع الكَفَّارَةِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ يَعُودُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

* ت *‏:‏ اخْتُلِفَ في معنى العَوْدِ، والعود في «المُوَطَّإ»‏:‏ العزم على الوطء والإمساك مَعاً، وفي «المُدَوَّنَةِ»‏:‏ العزمُ على الوطء خاصَّةً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا‏}‏، قال الجمهور‏:‏ وهذا عامٌّ في نوع المسيس الوطء والمباشرة، فلا يجوز لِمُظَاهِرٍ أَنْ يطأَ، ولا أَنْ يُقَبِّلَ أو يَلْمَسَ بيده، أو يفعَلَ شيئاً من هذا النوع إلاَّ بعد الكفارة؛ وهذا قول مالك رحمه اللَّه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ‏}‏‏:‏ إشارة إلى التحذير، أي‏:‏ فَعَلَ ذلك؛ عظةً لكم لتنتهوا عن الظهار‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ‏}‏‏:‏ قال الفخر‏:‏ الاستطاعة فوق الوسع؛ والوسع فوق الطاقة، فالاستطاعة هي أَنْ يتمكَّنَ الإنسان من الفعل على سبيل السهولة، انتهى، وفروع الظهار مُسْتَوفَاةً في كتب الفقه، فلا نطيل بذكرها‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام، ثم شَدَّدَ سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ حُدُودُ الله‏}‏ أي‏:‏ فالتزموها، ثم تَوَعَّدَ الكافرين بقوله‏:‏ ‏{‏وللكافرين عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏6‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا يتربَّصُون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين الدوائرَ، ويتمنَّون فيهم المكروهَ، ويتناجون بذلك؛ وكُبِتَ الرجل‏:‏ إذا بَقِيَ خَزْيَانَ يُبْصِرُ ما يكره، ولا يَقْدِرُ على دفعه، وقال قوم منهم أبو عبيدة‏:‏ أصله كبدوا، أي‏:‏ أصابهم داء في أكبادهم، فأُبْدِلَتِ الدَّالُ تاءً، وهذا غير قويٍّ، و‏{‏الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏‏:‏ منافقو الأمم الماضية، ولفظ البخاريِّ‏:‏ ‏{‏كُبِتُواْ‏}‏‏:‏ أُحْزِنُوا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله‏}‏‏:‏ العامل في ‏{‏يَوْمَ‏}‏ قوله‏:‏ ‏{‏مُّهِينٌ‏}‏، ويحتمل أنْ يكون فعلاً مُضْمَراً تقديره‏:‏ اذكر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ، وعبارة الثعلبيِّ ‏{‏إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ‏}‏‏:‏ يعلم ويسمع نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتُها، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏8‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏9‏)‏ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال ابن عباس‏:‏ نزلت في اليهود والمنافقين، ‏{‏وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ‏}‏‏:‏ هو قولهم‏:‏ السَّامُ عليكم، يريدون الموتَ، ثم كشف اللَّه تعالى خُبْثَ طَوِيَّتِهِمْ والحُجَّةَ التي إليها يستروحون، وذلك أَنَّهُمْ كانوا يقولون‏:‏ لو كان محمد نبيًّا لعذبنا بهذه الأقوال التي تسيئه، وجَهِلُوا أَنَّ أمرهم مُؤَخَّرٌ إلى عذاب جهنم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وصِيَّةٌ منه سبحانه للمؤمنين أَلاَّ يتناجوا بمكروه، وذلك عامٌّ في جميع الناس إلى يوم القيامة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا النجوى‏}‏ أي‏:‏ بالإِثم ‏{‏مِنَ الشيطان‏}‏ وقرأ نافع وأهل المدينة‏:‏ «لِيُحْزِنَ» بضم الياء وكسر الزاي، الفعل مُسْنَدٌ إلى الشيطان، وقرأ أبو عمرو وغيره‏:‏ «لِيَحْزُنَ» بفتح الياء وضم الزاي، ثم أخبر تعالى أَنَّ الشيطان أو التناجي الذي هو منه، ليس بضارٍّ أحداً إلاَّ أَنْ يكونَ ضُرَّ بإذن اللَّه، أي‏:‏ بأمره وقَدَرِهِ، ثم أمر بتوكُّلِ المؤمنين عليه تبارك وتعالى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى المجالس‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وقرأ عاصم‏:‏ «في المَجَالِسِ» قال زيد بن أسلم وقتادة‏:‏ هذه الآية نزلت بسبب تضايُقِ الناس في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أَنَّهُمْ كانوا يتنافسون في القُرْبِ منه وسَمَاعِ كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجلُ الذي له الحَقُّ والسِّنُّ والقَدَمُ في الإسلام، فلا يجد مكاناً، فنزلت بسبب ذلك، وروى أبو هريرة أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ لاَ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسَ فِيهِ الرَّجُلُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ‏"‏، قال جمهور العلماء‏:‏ سببُ نزولِ الآية مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ثم الحكم مُطَّرِدٌ في سائر المجالس التي هي للطاعات؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أَحَبُّكُمْ إلَى اللَّهِ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ في الصَّلاَةِ، وَرُكَباً في المَجَالِسِ ‏"‏، وهذا قول مالك رحمه اللَّه، وقال‏:‏ ما أرى الحكم إلاَّ يَطَّرِدُ في مجالس العلم ونحوها غَابِرَ الدهر؛ قال * ع *‏:‏ فالسنة المندوبُ إليها هي التفسُّحُ، والقيامُ مَنْهِيٌّ عنه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيثُ نهى أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ؛ فَيَجْلِسَ الآخَرُ مَكَانَهُ‏.‏

* ت *‏:‏ وقد روى أبو دَاوُدَ في «سننه» عن سَعِيدِ بْنِ أبي الحَسَنِ قال‏:‏ «جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ في شَهَادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ‏:‏ إنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَنَهَى أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوْبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ» وروى أبو داودَ عن ابن عمر قال‏:‏ جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فِيهِ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» انتهى، قال * ع *‏:‏ فَأَمَّا القيام إجلالاً فجائز بالحديث، وهو قوله عليه السلام حين أقبل سعد بن معاذ‏:‏ ‏"‏ قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ ‏"‏ وواجب على المُعَظَّمِ أَلاَّ يُحِبَّ ذَلِكَ وَيَأْخُذَ النَّاسَ بِهِ؛ لقوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَاماً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ‏"‏‏.‏ *

ت *‏:‏ وفي الاحتجاج بقضية سعد نظر؛ لأَنَّها احْتَفَّتْ بِها قرائن سَوَّغَتْ ذلك؛ انظر السير، وقد أطنب صاحب المدخل في الإنحاء والرَّدِّ على المجيزين للقيام، والسلامةُ عندي تركُ القيام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَفْسَحِ الله لَكُمْ‏}‏ معناه‏:‏ في رحمته وَجَنَّتِهِ‏.‏

* ص *‏:‏ ‏{‏يَفْسَحِ‏}‏ مجزوم في جواب الأمر، انتهى، ‏{‏وَإِذَا قِيلَ انشزوا‏}‏ معناه‏:‏ ارتفعوا، وقوموا فافعلوا ذلك؛ ومن «رياض الصالحين» للنوويِّ‏:‏ وعن عمرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لاَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلاَّ بِإذْنِهِمَا ‏"‏

رواه أبو داودَ، والترمذيُّ وقال‏:‏ حديث حسن، وفي رواية لأبي داودَ‏:‏ ‏"‏ لاَ يَجْلِسْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلاَّ بِإذْنِهِمَا ‏"‏ وعن حُذَيْفَةَ- رضي اللَّه عنه- أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ ‏"‏، رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذيُّ عن أبي مِجْلِزٍ؛ أَنَّ رَجُلاً قَعَدَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ‏:‏ ‏"‏ مَلْعُونٌ على لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أَوْ لَعَنِ اللَّهُ على لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ ‏"‏ قال الترمذيُّ‏:‏ حديث حسن صحيح، انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَرْفَعِ الله الذين ءَامَنُواْ مِنكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال جماعة‏:‏ المعنى‏:‏ يرفع اللَّه المؤمنين العلماءَ درجاتٍ؛ فلذلك أمر بالتفسُّح من أجلهم، وقال آخرون‏:‏ المعنى‏:‏ يرفع اللَّه المؤمنين والعلماءَ الصنفينِ جميعاً درجاتٍ، لَكِنَّا نعلمُ تفاضُلَهم في الدرجات من مواضعَ أُخَرَ؛ فلذلك جاء الأمر بالتفسح عامًّا للعلماء وغيرهم، وقال ابن مسعود وغيره‏:‏ ‏{‏يَرْفَعِ الله الذين ءَامَنُواْ مِنكُمْ‏}‏ وهنا تَمَّ الكلامُ، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات، ونصبهم بإضمار فعلٍ، فللمؤمنين رفع على هذا التأويل، وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ‏:‏ فَضْلُ العلمِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ فَضْلِ العِبَادَةِ، وخيرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ، وروى البخاريُّ وغيره عن أبي موسى عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بهِ مِنَ الهدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الماء، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ؛ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا، وَسُقُوا، وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أخرى إنَّما هِيَ قِيَعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءَ، وَلا تُنْبِتُ كَلأً؛ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الَّذِينَ ءَامَنُوا إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ‏}‏ روي عن ابن عباس وقتادة في سببها‏:‏ أَنَّ قوماً من شباب المؤمنين وأغْفَالِهِمْ كَثُرَتْ مناجاتُهم للنبي صلى الله عليه وسلم في غير حاجة، وكان صلى الله عليه وسلم سَمْحاً، لا يَرُدُّ أحداً، فنزلت هذه الآية مُشَدِّدَةً عليهم، وقال مقاتل‏:‏ نزلتْ في الأغنياء؛ لأَنَّهُمْ غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم ومجالسته، قال جماعة من الرواة‏:‏ نُسِخَتْ هذه الآيةُ قبل العمل بها، لكنِ استقر حُكْمُهَا بالعزم عليه، وصَحَّ عن عليٍّ أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ ما عَمِلَ بها أَحَدٌ غيري، وأنا كنتُ سَبَبَ الرخصة والتخفيفِ عن المسلمين، قال‏:‏ ثم فَهِمَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ هذه الْعِبَادَةَ قد شَقَّتْ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ لي‏:‏ يَا عَلِيُّ، كَمْ ترى أَنْ يَكُونَ حدُّ هذه الصَّدَقَةِ‏؟‏ أَتَرَاهُ دِينَاراً‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ لاَ، قَالَ‏:‏ فَنِصْفُ دِينِارٍ‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ لاَ، قَالَ‏:‏ فَكَمْ‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ حَبَّةٌ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ‏:‏ إنَّكَ لَزَهِيدٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ ‏"‏، يريد لِلْوَاجِدِينَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ فَالرُّخْصَةُ لَهُ ثَابِتَةٌ؛ بقوله‏:‏ «فَإنْ لَمْ تَجِدُوا» قال الفخر‏:‏ قوله عليه السلام لعليٍّ‏:‏ ‏"‏ إنَّكَ لَزَهِيدٌ ‏"‏ معناه‏:‏ إنك قليل المال، فقدَّرْتَ على حَسَبِ حالك، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 18‏]‏

‏{‏أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏13‏)‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏14‏)‏ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏15‏)‏ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏16‏)‏ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏17‏)‏ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ءَأَشْفَقْتُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الإشفاق‏:‏ هنا الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به، أو من ذهاب المال في الصدقة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَقِيمُواْ الصلاة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المعنى‏:‏ دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعِدُ شرعكم، ومَنْ قال‏:‏ إنْ هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة؛ فقوله ضعيف‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ‏}‏‏:‏ نزلت في قوم من المنافقين، تولوا قوماً من اليهود، وهمُ المغضوب عليهم، قال الطبري‏:‏ ‏{‏مَّا هُم مِّنكُمْ‏}‏‏:‏ يريد به المنافقين ‏{‏وَلاَ مِنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ ولا من اليهود، وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 143‏]‏ كالشاة العائرة بين الغنمين، وتحتمل الآية تأويلاً آخرَ، وهو أَنْ يكونَ قوله‏:‏ ‏{‏مَّا هُم‏}‏ يريد به اليهودَ ‏{‏وَلاَ مِنْهُمْ‏}‏ يريد به المنافقين، ‏{‏وَيَحْلِفُونَ‏}‏‏:‏ يعني المنافقين، وقرأ الحسن‏:‏ ‏{‏اتخذوا أيمانهم‏}‏ بكسر الهمزة، والجُنَّةُ‏:‏ ما يُتَسَتَّرُ به، ثم أخبر تعالى عن المنافقين في هذه الآية أَنَّهُ ستكون لهم أيمان يومَ القيامة بين يدي اللَّه تعالى، يخيل إليهم بجهلهم أَنَّها تنفعهم، وتُقْبَلُ منهم، وهذا هو حسابهم ‏{‏أَنَّهُمْ على شَئ‏}‏ أي‏:‏ على شيء نافع لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 22‏]‏

‏{‏اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏19‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ‏(‏20‏)‏ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ‏(‏21‏)‏ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان‏}‏ معناه‏:‏ تَملَّكَهُمْ من كل جهة، وغلب على نفوسهم، وحُكِيَ أَنَّ عمر قرأ‏:‏ «اسْتَحَاذَ»، ثم قضى تعالى على مُحَادِّه بِالذُّلِّ، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ نَفَتْ هذه الآيةُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ يؤمن باللَّه حَقَّ الإيمان، ويلتزم شُعَبَهُ على الكمال يَوَادُّ كافراً أو منافقاً، و‏{‏كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ أثبته وخلقه بالإيجاد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏‏:‏ إشارة إلى المؤمنين الذين يقتضيهم معنى الآية؛ لأَنَّ المعنى‏:‏ لكنك تجدهم لا يوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِرُوحٍ مِّنْهُ‏}‏ معناه‏:‏ بهدى منه ونور وتوفيق إلهي ينقدح لهم من القرآن وكلامِ النبي صلى الله عليه وسلم و«الحزب»‏:‏ الفريقُ، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

سورة الحشر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ‏(‏2‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ‏(‏3‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم‏}‏ الآية‏:‏ تقدم الكلامُ في تسبيح الجمادات و‏{‏الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب‏}‏‏:‏ هم بنو النضير‏.‏

و ‏[‏قوله‏]‏‏:‏ ‏{‏لأَوَّلِ الحشر‏}‏‏:‏ قال الحسن بن أبي الحسن وغيره‏:‏ يريد حَشْرَ القيامة، أي‏:‏ هذا أَوَّلُهُ والقيامُ من القبور آخره، وقال عِكْرَمَةُ وغيره‏:‏ والمعنى‏:‏ لأول موضع الحشر، وهو الشام؛ وذلك أَنَّ أكثرهم جاء إلى الشام، وقد رُوِيَ أَنَّ حشرَ القيامة هو إلى بلاد الشام‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ‏}‏‏:‏ يريد لمنعتهم وكثرة عددهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين‏}‏ أي‏:‏ كُلَّما هدم المسلمون من تحصينهم في القتال هدموا هم من البيوت؛ ليجبروا الحصن‏.‏

* ت *‏:‏ والحاصل أَنَّهم يخربون بيوتهم حِسًّا ومعنى؛ أَمَّا حِسًّا فواضح، وأَمَّا معنى فبسوء رأيهم وعاقبة ما أضمروا من خيانتهم وغدرهم، ‏{‏وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء‏}‏‏:‏ من الوطن ‏{‏لَعَذَّبَهُمْ فِى الدنيا‏}‏‏:‏ بالسبي والقتل، قال البخاريُّ‏:‏ والجلاء‏:‏ الإخراج من أرض إلى أرض، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏5‏)‏ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏6‏)‏ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةُ سببُهَا قولُ اليهود‏:‏ ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد‏؟‏‏!‏ فَرَدَّ اللَّهُ عليهم بهذِهِ الآية، قال ابن عباس وجماعة من اللغويين‏:‏ اللِّينَةُ من النخيل‏:‏ ما لم يكن عجوةً، وقيل غير هذا‏.‏

* ص *‏:‏ أصل «لِينَة»‏:‏ لونة، فقلبوا الواوَ ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، وجمعه لِينٌ؛ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، قال الأخفش‏:‏ واللينة كأنَّها لونٌ من النخل، أي‏:‏ ضرب منه، انتهى‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، إعلام بأَنَّ ما أخذ لبني النضير ومن فَدَك، هو خاصٌّ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها؛ بل على حكم خُمُسِ الغنائم؛ وذلك أَنَّ بني النضير لم يُوجَفْ عليها ولا قُوتِلَتْ كبيرَ قتالٍ، فأخذ منها صلى الله عليه وسلم قُوتَ عيالِهِ، وقَسَمَ سائرها في المهاجرين، وأدخل معهم أبا دُجَانَةَ وسَهْلَ بن حنيف من الأنصار؛ لأَنَّهما شكيا فقراً، والإيجاف‏:‏ سرعة السير، والوجيف دون التقريب؛ يقال‏:‏ وَجَفَ الفرسُ وأوجفه الراكبُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أهل القرى في هذه الآية‏:‏ هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب، وذلك أَنَّها فُتِحَتْ في ذلك الوقت من غير إيجاف، وأعطى رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم جميعَ ذلك للمهاجرين، ولم يحبس منها لنفسه شيئاً، ولم يعط الأنصار شيئاً لغناهم، والقُرْبَى في الآية‏:‏ قرابته صلى الله عليه وسلم مُنِعُوا الصدقةَ فَعُوِّضُوا من الفيء‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ‏}‏‏:‏ مخاطبة للأنصار؛ لأَنَّهُ لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غَنِيٌّ، والمعنى‏:‏ كي لا يتداول ذلك المالَ الأغنياءُ بتصرفاتهم، ويبقى المساكينُ بلا شيءٍ، وقد مضى القولُ في الغنائم في سورة الأنفال، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من الأنصار تَكَلَّمُوا في هذه القرى المُفْتَتحَةِ، وقالوا‏:‏ لنا منها سَهْمُنَا، فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ فَرَضُوا بذلك، ثم اطَّرَدَ بعدُ معنى الآية في أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه، حَتَّى قال قوم‏:‏ إنَّ الخمر مُحَرَّمَةٌ في كتاب اللَّه بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود لعنة الواشمة، الحديث‏.‏

* ت *‏:‏ وبهذا المعنى يحصل التعميم للأشياء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَئ‏.‏‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 9‏]‏

‏{‏لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏(‏8‏)‏ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاءِ المهاجرين‏}‏‏:‏ بيان لقوله‏:‏ ‏{‏والمساكين وابن السبيل‏}‏ وكرر لام الجر، لما كانت الجملة الأولى مجرورةً باللام؛ ليبيِّنَ أَنَّ البدل إنَّما هو منها، ثم وصفهم تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم، وتُوجِبُ الشفقة عليهم، وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم ‏{‏يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً‏}‏‏:‏ يريد به الآخرة والجنة‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون‏}‏ أي‏:‏ في الأقوال والأفعال والنِّيَّاتِ ‏{‏والذين تَبَوَّءُوا الدار‏}‏‏:‏ هم الأنصار رضي اللَّه عن جميعهم، والضمير في ‏{‏مِن قَبْلِهِمُ‏}‏ للمهاجرين، والدار هي المدينة، والمعنى‏:‏ تبوؤوا الدار مع الإيمان، وبهذا الاقتران يتضح معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ فتأمله، قال * ص *‏:‏ ‏{‏والإيمان‏}‏ منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي‏:‏ واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف الجمل؛ كقوله‏:‏ ‏[‏من الرجز‏]‏

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

انتهى، وقيل غير هذا، وأثنى اللَّه تعالى في هذه الآية على الأنصار بِأَنَّهُمْ يحبون المهاجرين، وبأَنَّهم يؤثرون على أنفسهم، وبأَنَّهم قد وُقُوا شُحَّ أنفسهم‏.‏

* ت *‏:‏ وروى الترمذيُّ عن أنس قال‏:‏ ‏"‏ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ أَتَاهُ المُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْماً أَبْذَلَ لِكَثِيرٍ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاساةً في قلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ؛ لَقَدْ كَفَوْنَا المَؤُونَةَ، وَأَشْرَكُونَا في الْمِهْنَةِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لاَ، مَا دَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ ‏"‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن صحيح، انتهى، والحاجة‏:‏ الحسد في هذا الموضع؛ قاله الحسن، ثم يَعُمُّ بعدُ وُجُوهاً، وقال الثعلبيُّ‏:‏ ‏{‏حَاجَةً‏}‏ أي‏:‏ حَزَازَةً، وقيل‏:‏ حسداً ‏{‏مِّمَّا أُوتُواْ‏}‏ أي‏:‏ مما أعطي المهاجرون من أموال بَنِي النضير والقرى، انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ‏}‏‏:‏ صفة للأنصار، وجاء الحديث الصحيح من غير ما طريق، ‏"‏ أَنَّها نزلت بسبب رجل من الأنصار وصنيعه مع ضيفِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ إذْ نَوَّمَ صبيانه، وَقَدَّمَ للضيف طعامَه، وأطفأتْ أهلُه السراجَ، وأوهما الضيفَ أَنَّهُمَا يأكلان معه، وباتا طاويين؛ فلمَّا غدا الأنصاريُّ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِكُمَا الْبَارِحَةَ» ‏"‏ ونزلت الآية في ذلك، قال صاحب «سلاح المؤمن»‏:‏ الرجل الأنصاريُّ الذي أضاف هو، أبو طلحة انتهى، قال الترمذيُّ الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له‏:‏ حدثنا أبي قال‏:‏ حدثنا عبد اللَّه بن عاصم‏:‏ حدثنا الجمانيُّ‏:‏ حدثنا صالح المُرِّيُّ عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنَّ بُدَلاَءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ؛ إنَّما دَخَلُوهَا بِسَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ الأَنْفُسِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ، والرَّحْمَةِ بِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ ‏"‏ انتهى، والإيثار على النفس أكرم خلق، قال أبو يزيد البسطاميُّ‏:‏ قدم علينا شاب من بَلْخٍ حاجًّا فقال لي‏:‏ ما حَدُّ الزهد عندكم‏؟‏ فقلت‏:‏ إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فقال‏:‏ هكذا عندنا كلابُ بلخ‏!‏ فقلت له‏:‏ فما هو عندكم‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ إذا فقدنا صَبْرَنَا، وَإذَا وجدنا آثرنا، ورُوِيَ أَنَّ سبب هذه الآيةِ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، لَمَّا فَتَحَ هذه الْقُرَى قَالَ لِلاٌّنْصَارِ‏:‏

«إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَمْوَالِكْمْ وَدِيَارِكُمْ؛ وَشَارَكْتُمُوهُمْ في هذه الْغَنِيمَةِ، وَإنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ وَتَرَكْتُمْ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ، فَقَالُوا‏:‏ بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَنَتْرُكُ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ»، فنزلت الآية، والخصاصة‏:‏ الفاقَةُ والحاجةُ، وشُحُّ النفس‏:‏ هو كثرةَ طَمَعِهَا‏.‏ وضبطها على المال، والرغبةُ فيه، وامتدادُ الأمل؛ هذا جماع شُحِّ النفس‏.‏ وهو داعية كُلِّ خلق سوء، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى في النَّائِبَةِ فَقَدْ بَرِئ من الشُّحِّ»، وَإلى هذا الذي قلناه ذهب الجمهور والعارفون بالكلام، وقيل في الشح غير هذا، قال * ع *‏:‏ وشُحُّ النفس فَقْرٌ لا يذهبه غِنَى المالِ، بل يزيده، وينصب به؛ و‏{‏يُوقَ‏}‏ مِنْ وقى يَقِي، وقال الفخر‏:‏ اعلم أَنَّ الفرق بين الشُّحِّ والبخل هو أَنَّ البخل نفس المنع، والشُّحُّ هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المَنْعَ، ولَمَّا كان الشُّحُّ من صفات النفس لا جَرَمَ، قال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون‏}‏ أي‏:‏ الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد‏:‏ من لم يأخذ شيئاً نهاه اللَّه عن أخذه، ولم يمنع شيئاً أمره اللَّه تعالى بإعطائه فقد وُقِيَ شُحَّ نفسه، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 14‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏10‏)‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏11‏)‏ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏12‏)‏ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏13‏)‏ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال جمهور العلماء‏:‏ أراد مَنْ يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، وقال الفرَّاءُ‏:‏ أراد الفرقة الثالثة من الصحابة، وهي مَنْ آمن في آخر مُدَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَقُولُونَ‏}‏‏:‏ حال فيها الفائدة، والمعنى‏:‏ والذين جاؤوا قائلين كذا، وروت أُمُّ الدرداء، وأبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كان يقول‏:‏ «دَعْوَةُ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مَوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ‏:‏ آمِينَ، وَلَكَ مِثْلُهُ» رواه مسلم، انتهى، قال * ع *‏:‏ ولهذه الآية قال مالك وغيره‏:‏ إِنَّه مَنْ كان له في أحدٍ من الصحابة رأيُ سوءٍ أو بغض، فلا حَظَّ له في فَيْءِ المسلمين، وقال عبد اللَّه بن يزيد‏:‏ قال الحسن‏:‏ أدركت ثلاثمائةٍ مِنْ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم سبعون بَدْرِيًّا كُلُّهم يحدثني أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ» فالجماعة أَلاَّ تَسُبّوا الصحابة، ولا تماروا في دينِ اللَّه، ولا تُكَفِّرُوا أَحداً من أَهْلِ التوحيد بذنب، قال عبد اللَّه‏:‏ فَلَقِيتُ أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلةَ وأَنَساً، فكلُّهم يحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث الحسن، والغِلُّ‏:‏ الحقد والاعتقاد الرديء‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ نزلت في عبد اللَّه بن أُبَيِّ ابن سلول، ورفاعةَ بن التابوت وقومٍ من منافقي الأنصار؛ كانوا بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم‏:‏ اثبتوا في معاقلكم، فإنَّا مَعَكُمْ كيفما تقلبت حالُكم، وكانوا في ذلك كاذبين، وإنَّما أرادوا بذلك أَنْ تقوى نُفُوسُهُمْ؛ عسى أَنْ يثبتوا حَتَّى لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فيتمَّ مرادهم، وجاءت الأفعال غيرَ مجزومة في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يَخْرُجُونَ‏}‏ ‏{‏لاَ يَنصُرُونَهُم‏}‏؛ لأَنَّها راجعةٌ إلى حكم القسم، لا إلى حكم الشرط، والضمير في ‏{‏صُدُورِهِم‏}‏ يعود على اليهود والمنافقين، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يقاتلونكم جَمِيعاً‏}‏ لبني النضير وجميع اليهود، هذا قول جماعة المفسرين، ومعنى الآية‏:‏ لا يبرزون لحربكم، وإنَّما يقاتلون متحصنين بالقُرَى والجدران؛ للرعب والرهب الكائن في قلوبهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ‏}‏ أي‏:‏ في غائلتهم وإحَنِهِمْ ‏{‏تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً‏}‏ أي‏:‏ مجتمعين ‏{‏وَقُلُوبُهُمْ شتى‏}‏ أي‏:‏ متفرقة؛ قال * ع *‏:‏ وهذه حال الجماعة المتخاذلة، وهي المغلوبةُ أبداً في كُلِّ ما تحاول، واللفظة مأخوذة من الشتات، وهو التفرق ونحوه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏15‏)‏ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏16‏)‏ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ همْ بنو قينقاع، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير، والوَبَالُ‏:‏ الشِّدَّةُ والمكروه، وعاقبة السوء والعذاب الأليم‏:‏ هو في الآخرة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَمَثَلِ الشيطان‏}‏ معناه‏:‏ أَنَّ هاتينِ الفرقتين من المنافقين وبني النضير، كمثل الشيطان مع الإنسان؛ فالمنافقونَ مَثَلُهُمُ الشيطان، وبنو النضير مثلهم الإنسان، وذهب مجاهد وجمهور من المتأولين إلى أَنَّ الشيطانَ والإنسانَ في هذه الآية اسما جنس، فكما أَنَّ الشيطان يغوي الإنسان، ثم يَفِرُّ عنه بعد أَنْ يُوَرِّطَهُ؛ كذلك أغوى المنافقون بني النضير وحَرَّضُوهم على الثبوت، ووعدوهم النصرَ، فَلَمَّا نَشَبَ بنو النضير، وكشفوا عن وجوههم تركهم المنافقون في أسوأ حال، وذهب قوم من رواة القصص إلى أَنَّ هذا في شيطانٍ مخصوصٍ مع عابد مخصوص، اسمه «بَرْصِيصَا»، اسْتُودِعَ امرأة جميلةً، وقيل‏:‏ سِيقَتْ إليه لِيَشْفِيهَا بدعائه من الجنون، فَسَوَّلَ له الشيطانُ الوقوعَ عليها، فحملت منه، فَخَشِيَ الفضيحة، فسَوَّلَ له قَتْلَهَا وَدَفْنَهَا، ففعل، ثم شَهَّرَهُ، فَلَمَّا اسْتُخْرِجَتِ المرأة، وحُمِلَ العابدُ شَرَّ حَمْلٍ، وَصُلِبَ جَاءَهُ الشيطانُ فَقَالَ له‏:‏ اسجد لي سجدةً وأنا أُخَلِّصُكَ، فسجد له، فقال له الشيطان‏:‏ هذا الذي أردتُ منك أَنْ كفرتَ بربك، إنِّي بريء منك، فضرب اللَّه تعالى هذا المَثَلَ ليهودِ بني النضير والمنافقين، وهذا يحتاج إلى صِحَّةِ سَنَدٍ، والتأويل الأول هو وجه الكلام‏.‏

* ت *‏:‏ قال السهيلي‏:‏ وقد ذكر هذه القصةَ هكذا القاضي إسماعيلُ وغيره من طريق سفيان عن عمرو بن دينار، عن عُرْوَةَ بنِ عَامِرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرْقِيِّ، عنِ النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أنَّ رَاهِباً كَانَ في بَنِي إسرائيل ‏"‏ فذكر القصة بكمالها، ويقال‏:‏ إنَّ اسمَ هذا الراهب «بَرْصِيصَا»، ولم يذكر اسمه القاضي إسماعيل، انتهى، قال * ع *‏:‏ وقول الشيطان‏:‏ ‏{‏إِنِّى أَخَافُ الله‏}‏ رياءً من قوله، وليست على ذلك عقيدته، ولا يعرف اللَّه حَقَّ معرفته، ولا يحجزه خوفُه عن سُوءٍ يوقع فيه ابنَ آدم من أول إلى آخر ‏{‏فَكَانَ عاقبتهما‏}‏ يعني‏:‏ الشيطان والإنسان على ما تقدم من حملهما على الجنس أو الخصوص‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 20‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏18‏)‏ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏19‏)‏ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه آية وعظ وتذكير، وتقريبٍ للآخرة، وتحذيرٍ مِمَّنْ لا تخفى عليه خافيةٌ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِغَدٍ‏}‏‏:‏ يريد يوم القيامة، والذين نسوا اللَّه‏:‏ هم الكفار، والمعنى‏:‏ تركوا اللَّه وغفلوا عنه، حَتَّى كانوا كالناسين، فعاقبهم بأَنْ ‏[‏جعلهم‏]‏ ينسون أنفسهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بالذنب، قال سفيان‏:‏ المعنى‏:‏ حَظَّ أنفسهم، ويُعْطِي لفظُ الآية أَنَّ مَنْ عرف نفسه ولم يَنْسَهَا عَرَفَ رَبَّهُ تعالى، وقد قال عليُّ بن أبي طالب، رضي اللَّه عنه‏:‏ اعْرِفْ نفسك تَعْرِفْ ربك، وروي عنه أَيضاً أَنَّه قال‏:‏ مَنْ لم يعرفْ نفسه، لم يعْرف ربه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 24‏]‏

‏{‏لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏21‏)‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏(‏22‏)‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏23‏)‏ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏24‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ موعظةٌ للإنسان، وَذَمٌّ لأخلاقه وإعراضه وغفلته عن تَدَبُّرِ كلام خالقه، وإذا كان الجبلُ، على عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ، لو أُنْزِلَ عليه القرآن وفَهِمَ منه ما فَهِمَهُ الإنسان، لخشع واستكان، وتصدَّع، خشيةً للَّه تعالى‏:‏ فالإِنسانُ على حقارته وضَعْفِهِ أولى بذلك، وضرب اللَّه سبحانه هذا المثل؛ ليتفكر فيه العاقلُ، ويخشعَ ويلينَ قلبُهُ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة هُوَ الرحمن الرحيم‏}‏ الآية‏:‏ لما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مِّنْ خَشْيَةِ الله‏}‏، جاء بالأوصاف العَلِيَّةِ التي تُوجِبُ لمخلوقاته هذه الخشيةَ، وقرأ الجمهور‏:‏ «القُدُّوسُ» بضم القاف؛ من تَقَدَّسَ إذا تطهَّرَ وتنزَّه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏السلام‏}‏ أي‏:‏ ذو السلام؛ لأَنَّ الإيمان به وتوحيدَه وأفعاله هي لمن آمنَ سلام كُلُّها، و‏{‏المؤمن‏}‏‏:‏ اسم فاعل من آمن بمعنى أمن من الأمن، وقيل‏:‏ معناه‏:‏ المُصَدِّقُ عبادَهُ المؤمنين، و‏{‏المهيمن‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ الحفيظ والأمين؛ قاله ابن عباس، و‏{‏الجبار‏}‏‏:‏ هو الذي لا يدانيه شيءٌ، ولا تُلْحَقُ رتبته، قال الفخر‏:‏ وفي اسمه تعالى‏:‏ ‏{‏الجبار‏}‏ وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أَنَّه فَعَّالٌ؛ من جَبَرَ إذا أغنى الفقيرَ وجبر الكسير‏.‏

والثاني‏:‏ أنْ يكون الجبار من جَبَرَهُ إذا أكرهه؛ قال الأزهريُّ‏:‏ وهي لغة تميم، وكثيرٌ من الحجازيين يقولونها بغير ألف في الإكراه، وكان الشافعيُّ رحمه اللَّه يقول‏:‏ جَبَرَهُ السلطانُ على كذا بغير ألف، وجعل الفرَّاءُ ‏{‏الجبار‏}‏ بهذا المعنى من أجبر بالألف، وهي اللغة المعروفة في الإكراه، انتهى، و‏{‏المتكبر‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ الذي له التكبُّرُ حَقًّا و‏{‏البارئ‏}‏ بمعنى‏:‏ الخالق، و‏{‏المصور‏}‏‏:‏ هو الذي يوجد الصورَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وروى مَعْقِلُ بن يسار عنِ النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال‏:‏ ‏"‏ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ‏:‏ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلاَثَ آياتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ‏:‏ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ مَاتَ في ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيداً، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتَلْكَ الْمَنْزِلَةِ ‏"‏ رواه الترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن غريب، انتهى‏.‏

سورة الممتحنة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏1‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المراد بالعدو ههنا‏:‏ كُفَّارُ قريش، ‏"‏ وسبب نزول هذه الآية حَاطِبُ بْنُ أبي بَلْتَعَةَ؛ وذلك أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أرادَ الخروجَ إلى مَكَّةَ عامَ الحديبية‏.‏

* ت *‏:‏ بل عام فتح مَكَّةَ، فكتب حاطبٌ إلى قوم من كُفَّارِ مَكَّةَ يخبرهم بقصد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك منه ارتداداً، فنزل الوحي مخبراً بما صنع حاطبٌ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا والزبيرَ وثالثاً قيل هو المقداد وقال‏:‏ انطلقوا حَتَّى تأتُوا روضة خاخ، فإنَّ بها ظغينةً معها كتابٌ من حاطبٍ إلى المشركين، فخذوه منها، وخَلُّوا سبيلها، فانطلقوا حَتَّى وجدوا المرأة، فقالوا لها‏:‏ أَخْرِجِي الكتابَ، فقالت‏:‏ ما معي كتاب‏!‏ ففتشوا رحلها فما وجدوا شيئاً فقال عليٌّ‏:‏ ما كَذَبَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا كُذِّب، واللَّهِ، لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِينَّ الثِّيَابَ، فقالَتْ‏:‏ أَعْرِضُوا عَنِّي، فَحَلَّتْهُ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا، فجاؤوا بِهِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِحَاطِبٍ‏:‏ مَنْ كَتَبَ هَذَا‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ‏:‏ مَا حَمَلَكَ على مَا صَنَعْتَ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَعْجَلْ عَليّ فَواللَّهِ، مَا كَفَرْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ‏.‏ ارتدادا عَن دِينِي وَلاَ رَغْبَةً عَنْهُ؛ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ إلاَّ وَلَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وَكُنْتُ امرأ مُلْصَقاً فِيهِمْ، وَأَهْلِي بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَخَشِيتُ عَلَيْهِمْ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ عَنْدَهُمْ يَداً، فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ «لاَ تَقُولُوا لِحَاطِبٍ إلاَّ خَيْراً» ‏"‏ وروي أَنَّ حاطباً كَتَبَ‏:‏ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ غَزْوَكُمْ في مِثْلِ اللَّيْلِ وَالسَّيْلِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ، لَوْ غَزَاكُمْ وَحْدَهُ، لَنُصِرَ عَلَيْكُمْ، فَكَيْفَ وَهُوَ في جَمْعٍ كَثِيرٍ‏؟‏‏!‏ * ص *‏:‏ و‏{‏تُلْقُونَ‏}‏ مفعوله محذوف، أي‏:‏ تلقون إليهم أخبارَ الرسول وأسراره، و‏{‏بالمودة‏}‏‏:‏ الباء للسبب، انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن تُؤْمِنُواْ‏}‏‏:‏ مفعول من أجله، أي‏:‏ أخرجوكم من أجل أنْ آمنتم بربكم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ‏}‏‏:‏ شرط، جوابُهُ متقدم في معنى ما قبله، وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير‏:‏ إنْ كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياءَ، و‏{‏جِهَاداً‏}‏ منصوب على المصدر، وكذلك ‏{‏ابتغاء‏}‏ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلك مفعولاً من أجله، والمرضاة‏:‏ مصدر كالرضى و‏{‏تُسِرُّونَ‏}‏ حال من ‏{‏تُلْقُونَ‏}‏، ويجوز أنْ يكون في موضع خبر ابتداء، كأَنَّهُ قال‏:‏ أنتم تُسِرُّونَ، ويَصِحُّ أنْ يكون فعلاً ابتدئ به القول‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَعْلَمُ‏}‏ يحتمل أنْ يكون أفعل، ويحتمل أنْ يكون فعلاً؛ لأَنَّكَ تقول‏:‏ علمت بكذا فتدخل الباء‏.‏

* ص *‏:‏ والظاهر أَنَّه أفعل تفضيل؛ ولذلك عُدِّيَ بالباء، انتهى، و‏{‏سَوَآءَ‏}‏ يجوز أنْ يكون مفعولاً ب ‏{‏ضَلَّ‏}‏ على تعدي «ضل»، ويجوز أنْ يكون ظرفاً على غير التعدي؛ لأَنَّهُ يجيء بالوجهين، والأوَّلُ أحسن في المعنى، والسواء‏:‏ الوسط، و‏{‏السبيل‏}‏‏:‏ هنا شرع اللَّه وطريقُ دينه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 3‏]‏

‏{‏إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ‏(‏2‏)‏ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏3‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أخبر تعالى أَنَّ مُدَارَاةَ هؤلاء الكفرة غيرُ نافعة في الدنيا، وأَنَّها ضارَّةٌ في الآخرة؛ ليبين فسادَ رأي مُصَانِعِهِمْ، فقال‏:‏ ‏{‏إِن يَثْقَفُوكُمْ‏}‏ أي‏:‏ إنْ يتمكنوا منكم وتحصلوا في ثقافهم ظهرت عداوتهم، وانبسطت إليكم أيديهم بِضَرَرِكُمْ وَقَتْلِكُمْ، وانبسطت ألسنتُهم بسبِّكم، وأَشَدُّ من هذا كله إنَّما يقنعهم أَنْ تكفروا، وهذا هو ودهم،، ثم أخبر تعالى أنَّ هذه الأرحامَ التي رغبتم في وصلها، ليستْ بنافعة يومَ القيامة، فالعامل في ‏{‏يَوْمَ‏}‏ قوله ‏{‏تَنفَعَكُمْ‏}‏، وقيل‏:‏ العامل فيه ‏{‏يُفَصِلُ‏}‏ وهو مِمَّا بعده لا مِمَّا قبله، وعبارةُ الثعلبيِّ ‏{‏لَن تَنفَعَكُمْ أرحامكم‏}‏ أي‏:‏ قرابتكم منهم ‏{‏وَلاَ أولادكم‏}‏‏:‏ الذين عندهم بمكة ‏{‏يَوْمَ القيامة‏}‏‏:‏ إذا عصيتم اللَّه من أجلهم ‏{‏يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ‏}‏‏:‏ فيدخل المؤمنون الجنة، والكافرون النارَ، انتهى‏.‏

* ت *‏:‏ وهذه الآية تنظر إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 37‏]‏ الآية‏:‏ واعلم أنَّ المال والسبب النافع يوم القيامة، ما كان لِلَّهِ وقُصِدَ به العونُ على طاعة اللَّه، وإلاَّ فهو على صاحبه وَبَالٌ وطولُ حساب، قال ابن المبارك في «رقائقه»‏:‏ أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال‏:‏ سمعت عبد اللَّه بن الحارث يُحَدِّثُ عن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي أَنَّه سمعه يقول‏:‏ ويجمعون يعني ليوم القيامة فيقال‏:‏ أين فقراء هذه الأمة ومساكينُها‏؟‏ فيبرزون، فَيُقَالُ‏:‏ ما عندكم‏؟‏ فيقولون‏:‏ يا رَبَّنَا، ابْتُلِينَا فَصَبِرْنَا، وأنت أعلم، أحسبه، قال‏:‏ ووليت الأموال والسلطانَ غَيْرَنا، فيقال‏:‏ صدقتم، فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمان، وتبقى شِدَّةُ الحساب على ذَوِي السلطان والأموال، قال‏:‏ قلت‏:‏ فأين المؤمنون يومئذ‏؟‏ قال‏:‏ توضع لهم كراسيُّ من نور، ويُظَلِّلُ عليهم الغمامُ، ويكون ذلك اليومُ أقصرَ عليهم من ساعة من نهار، انتهى، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏‏:‏ وعيدٌ وتحذير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 5‏]‏

‏{‏قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ‏(‏4‏)‏ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏5‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ‏}‏ أي‏:‏ قدوة ‏{‏فِى إبراهيم‏}‏‏:‏ الخليل ‏{‏والذين مَعَهُ‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ مَنْ آمن به مِنَ الناس، وقال الطبريُّ وغيره‏:‏ ‏{‏والذين مَعَهُ‏}‏‏:‏ هم الأنبياء المعاصرون له أو قريباً من عصره، قال * ع *‏:‏ وهذا أرجح؛ لأَنَّهُ لم يُرْوَ أَنَّ لإبراهيم أتباعاً مؤمنين في وقتِ مكافحته نمروداً، وفي البخاريِّ‏:‏ أنه قال لسارةَ حين رحل بها إلى الشام مهاجراً من بلد النمرود‏:‏ ما على الأرض مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ غيري وغيرُك، وهذه الأُسْوَةُ مُقَيَّدَةٌ في التبري من المشركين وإشراكهم، وهو مُطَّرِدٌ في كل مِلَّةٍ، وفي نبينا مُحَمَّدٍ عليه السلام أسوةٌ حسنةٌ على الإطلاق في العقائد وفي أحكام الشرع كُلِّها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَفَرْنَا بِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ كذبناكم في عبادتكم الأصنامَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ تأسوا بإبراهيم، إلاَّ في استغفاره لأبيه، فلا تتأسوا به فتستغفروا للمشركين، لأَنَّ استغفاره إنَّما كانَ عَنْ موعدةِ وعدها إيَّاهُ؛ وهذا تأويل قتادة، ومجاهد، وعطاءِ الخُرَاسَانِيِّ وغيرهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم‏}‏ هو حكاية عن قول إبراهيم والذين معه، وهذه الألفاظ بَيِّنَةٌ مِمَّا تقدم في آي القرآن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً‏}‏ قيل‏:‏ المعنى‏:‏ لا تغلبهم علينا، فنكونَ لهم فتنةً وسَبَبَ ضلالةٍ؛ نحا هذا المنحى قتادةُ وأبو مِجْلَزٍ، وقد تقدم مُسْتَوفًى في سورة يونس، وقال ابن عباس‏:‏ المعنى‏:‏ لا تسلِّطْهم علينا فيفتنونا عَنْ أدياننا، فكأَنَّه قال‏:‏ لا تجعلنا مفتونين، فَعَبَّرَ عن ذلك بالمصدر، وهذا أرجح الأقوال؛ لأَنَّهُمْ إنَّما دعوا لاًّنْفُسِهِم، وعلى منحى قتادة‏:‏ إنما دعوا للكفار، أَمَّا أَنَّ مقصدَهم إنما هو أَنْ يندفع عنهم ظهورُ الكُفَّارِ الذي بسببه فِتَنُ الكُفَّارِ، فجاء في المعنى تحليقٌ بليغ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 7‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ‏(‏6‏)‏ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ في إبراهيم والذين معه، وباقي الآية بَيِّنٌ، وروي أَنَّ هذهِ الآياتِ لما نزلت، وَعَزَمَ المؤمنون على امتثالها، وَصَرْمِ حِبَالِ الكَفَرَةِ لحقهم تَأَسُّفٌ وهمٌّ من أَجل قراباتهم؛ إذ لم يؤمنوا، ولم يهتدوا، حَتَّى يكونَ بينهم التوادُدُ والتواصُلُ، فنزلت‏:‏ ‏{‏عَسَى الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ مؤنسةً في ذلك، ومُرْجِيةً أَنْ يقعَ، فوقع ذلك بإسلامهم في الفتح، وصار الجميعُ إخواناً، وعسى من اللَّه واجبةُ الوقوع‏.‏

* ت *‏:‏ قد تقدم تحقيقُ القولِ في ‏{‏عَسَى‏}‏ في سورة القصص، فأغنى عن إعادته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 11‏]‏

‏{‏لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏(‏8‏)‏ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏9‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏10‏)‏ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اختلف في هؤلاء الذين لم يَنْهَ عنهم أنْ يُبَرُّوا، فقيل‏:‏ أراد المؤمنين التاركين للهجرة، وقيل‏:‏ خُزَاعَةَ وقبائلَ من العرب، كانوا مظاهرين للنبي صلى الله عليه وسلم ومُحِبِّينَ لظهوره، وقيل‏:‏ أراد النساءَ والصبيان من الكَفَرَةِ، وقيل‏:‏ أراد مِنْ كُفَّارِ قريش مَنْ لم يقاتلْ ولا أخرج، ولم يُظْهِرْ سُوءاً؛ وعلى أَنَّها في الكفار فالآية منسوخةٌ بالقتال، والذين قاتلوا في الدين وأخرجوهم هم مَرَدَةُ قريش‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ المؤمنات مهاجرات‏}‏ الآيةُ نزلَتْ إثرَ صلح الحديبية؛ وذلك أَنَّ ذلك الصلحَ تَضَمَّنَ أَنَّ مَنْ أتى مُسْلِماً من أهل مَكَّةَ، رُدَّ إليهم، سَواءٌ كان رجلاً أو امرأةً، فَنَقَضَ اللَّهُ تعالى من ذلك أَمْرَ النساء بهذه الآية، وحكم بأَنَّ المهاجرة المؤمنةَ لا تُرَدُّ إلى دار الكُفْرِ، و‏{‏فامتحنوهن‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ جربوهن واستخبروا حقيقةَ ما عندهنَّ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله أَعْلَمُ بإيمانهن‏}‏ إشارة إلى الاسترابة ببعضهنَّ‏.‏

* ت *‏:‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ العلم هنا‏:‏ بمعنى الظن، وذكر اللَّه تعالى العِلَّةَ في أَلاَّ يُرَدَّ النساءُ إلى الكُفَّارِ وهو امتناعُ الوطء وحُرْمَتُهُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَءَاتُوهُم مَّا أَنفَقْتُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أمر بأَنْ يؤتى الكُفَّارُ مهورَ نسائهم التي هاجرنَ مؤمناتَ، ورفع سبحانه الجناحَ في أَنْ يتزوجنَ بصدقاتٍ هي أجورهِن، وأمر المسلمين بفراق الكافراتِ وأَلاَّ يتمسكوا بعصمهن، فقيل‏:‏ الآية في عابداتِ الأوثان ومَنْ لا يجوزُ نكاحُها ابتداءً، وقيل‏:‏ هي عامَّةٌ نُسِخَ منها نساءُ أهل الكتاب، والعِصَمُ‏:‏ جمع عِصْمَة، وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وأمر تعالى أَنْ يسأل أيضاً المؤمنون‏:‏ ما أنفقوا‏؟‏ فرُوِيَ عنِ ابن شهاب أَنَّ قريشاً لَمَّا بلغهم هذا الحكم، قالوا‏:‏ نحن لا نرضى بهذا الحكم، ولا نَلْتَزِمُهُ، ولا ندفع لأحد صَدَاقاً، فنزلت بسبب ذلك هذه الآيةُ الأخرى‏:‏ ‏{‏وَإِن فَاتَكُمْ شَئ مِّنْ أزواجكم إِلَى الكفار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ فأمر اللَّه تعالى المؤمنين أنْ يدفعوا إلى مَن فَرَّتْ زوجتُه ففاتتْ بنفسها إلى الكُفَّارِ صَدَاقَهُ الذي أنفق، واخْتُلِفَ‏:‏ مِنْ أَيِّ مَالٍ يُدْفَعُ إليه الصَّدَاقُ‏؟‏ فقال ابن شهاب‏:‏ يُدْفَعُ إليه من الصدقات التي كانت تُدْفَعُ إلى الكفار بسبب مَنْ هاجر من أزواجهم، وأزال اللَّه دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه، قال * ع *‏:‏ وهذا قول صحيح يقتضيه قوله‏:‏ ‏{‏فعاقبتم‏}‏ وقال قتادة وغيره‏:‏ يُدْفَعُ إليه من مغانم المغازي، وقال هؤلاء‏:‏ التعقيب هو الغزو والمغنم، وقال ابن شهاب أيضاً‏:‏ يدفع إليه مِنْ أيِّ وجوه الفيء أمكن، والمعاقبة في هذه الآية ليستْ بمعنى مجازاة السوء بسوءٍ، قال الثعلبي‏:‏ وقرأ مجاهد‏:‏ «فَأَعْقَبْتُمْ» وقال‏:‏ المعنى‏:‏ صنعتم بهم كما صنعوا بكم، انتهى، قال * ع *‏:‏ أي‏:‏ وذلك بأنْ يفوت إليكم شيء من أزواجهم، وهكذا هو التعاقب على الجَمَلِ والدَّوَابِّ أنْ يركبَ هذا عقبة وهذا عقبة، ويقال‏:‏ عاقب الرجلُ صاحِبَه في كذا، أي‏:‏ جاء فِعْلُ كُلِّ واحد منهما بعقب فعل الآخر، وهذه الآيةُ كُلُّها قدِ ارتفع حكمها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 13‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ‏(‏13‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ياأيها النبى إِذَا جَاءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على الصَفَا، وهي كانت في المعنى بَيْعَةِ الرجال قَبْلَ فرض القتال‏.‏

* ت *‏:‏ وخرَّج البخَاريُّ بسنده عن عائِشَةَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ بهذه الآيَةِ‏:‏ ‏{‏ياأيها النبى إِذَا جَاءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ‏}‏ الآية‏.‏

وكذا روى البخاريُّ من طريق ابن عباس أَنَّهُ عليه السلام تَلاَ عَلَيْهِنَّ الآيةَ يَوْمَ الْفِطْرَ عَقِبَ الصَّلاَةِ، وَنَحْوُهُ عن أُمِّ عطيةَ في البخاري‏:‏ «وَقَرَأَ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ أيْضاً في ثَانِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ» وكلام * ع *‏:‏ يُوهِمُ أَنَّ الآيةَ نزلت في بيعة النساء يومَ الفتح، وليس كذلك؛ وإنَّما يريد أَنَّه أعاد الآيةَ على مَنْ لم يبايعه من أهل مَكّة؛ لِقُرْبِ عهدهم بالإسلام، واللَّه أعلم، والإتيان بالبهتان‏:‏ قال أكثر المفسرين‏:‏ معناه أنْ تَنْسِبَ إلى زوجها ولداً ليس منه، قال * ع *‏:‏ واللفظ أَعَمُّ من هذا التخصيص‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ‏}‏‏:‏ يعم جميع أوامر الشريعة، فَرْضَهَا وَنَدْبَهَا، وفي الحديث‏:‏ «أَنَّ جَمَاعَةَ نُسْوَةٍ قُلْنَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى كَذَا وَكَذَا الآية، فَلَمَّا فَرَغْنَ قَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ، فَقُلْنَ‏:‏ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا لأَنْفُسِنَا» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبَايِعْهُنَّ‏}‏ أي‏:‏ أمض لَهُنَّ صفقة الإيمان؛ بأنْ يُعْطِينَ ذلك من أنفسهن، ويُعْطَيْنَ عليه الجَنَّةَ، واخْتُلِفَ في هيئة مبايعته صلى الله عليه وسلم النساءَ بعد الإجماع على أَنَّهُ لم تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ امرأة أجنبيَّةٍ قَطُّ؛ والمرويُّ عن عائشةَ وغيرِها‏:‏ «أَنَّهُ بَايَعَ بِاللِّسَانِ قَوْلاً، وقال‏:‏ إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امرأة كَقَوْلِي لامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ»‏.‏ و‏{‏قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ‏}‏‏:‏ هم اليهود في قول ابن زيد وغيره، ويأسهم من الآخرة‏:‏ هو يأسهم من نعيمها مع التصديق بها، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ‏}‏‏:‏ في هذه الآية كُفَّارُ قريش‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أصحاب القبور‏}‏‏:‏ على هذا التأويل هو على ظاهره في اعْتِقَادِ الكَفَرَةِ إذَا مَاتَ لَهُمْ حَمِيمٌ قَالوا‏:‏ هَذَا آخِرُ العَهْدِ بِهِ لاَ يُبْعَثُ أبَداً‏.‏